أبو نصر الفارابي
57
كتاب السياسة المدنية
أن لا يوجد وبين ما لا يمكن أن يوجد « 1 » ، اللذين هما طرفان متباعدان جدا ، شيئا يصدق عليه نقيض كل واحد من هذين الطرفين وهو ما يمكن أن يوجد ويمكن أن لا يوجد . فهذا هو المختلط من وجود ولا وجود وهو الموجود الذي يقابله العدم ويقترن به أيضا عدم . فإن العدم هو لا وجود ما يمكن أن يوجد « 2 » . فلما كان الممكن وجوده هو أحد نحوي الموجود والوجود الممكن أحد نحوي الوجود ، فإنّ السبب الأول الذي وجوده في جوهره ليس إنما أفاض بوجود ما لا يمكن أن لا يوجد فقط بل بوجود ما يمكن أن لا يوجد حتى لا يبقى شيء من أنحاء الوجود إلا أعطاه . والممكن ليس في نفس طبيعته أن يكون له وجود واحد محصل بل هو يمكن أن يوجد كذا وأن لا يوجد ، ويمكن أن يوجد شيئا وأن يوجد مقابله . وحاله من الوجودين المتقابلين حال واحدة . وليس بأن يوجد هذا الوجود أولى من أن يوجد المقابل له « 3 » . والمقابل هاهنا إما عدم وإما ضدّ وإما هما معا « 4 » . فلذلك يلزم أن توجد الموجودات المتقابلات معا . وإنما يمكن أن توجد الموجودات المتقابلة على أحد ثلاثة أوجه : إما في وقتين أو في وقت واحد من جهتين مختلفتين ، أو أن يكون شيئان يوجد كل واحد
--> ( 1 ) هما الواجب الوجود والمستحيل الوجود . ( 2 ) تحديد العدم بأنه ما يقابل الممكن الوجود يختلف عن تحديد أرسطو وابن رشد . ( 3 ) الممكن الوجود يتساوى فيه الوجود والعدم . ( 4 ) الممكن الوجود يقابله العدم أو الضد ، أو العدم والضد معا .